يرى ديفيد هيرست أن الحرب على إيران تدخل شهرها الثاني وسط تصدعات واضحة داخل دوائر الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، حيث تعلو أصوات تعارض المسار الحالي. تكشف هذه الخلافات تفاصيل جديدة حول قرار الهجوم في فبراير، إذ لم يرتبط بالمفاوضات مع طهران في مسقط وجنيف بقدر ما ارتبط بحسابات عسكرية وسياسية أوسع.
في الوقت نفسه، يروّج دونالد ترامب لفكرة وجود قنوات اتصال مع إيران، بينما تنفي طهران ذلك، وتظهر بيانات الطيران نقل قوات أميركية كبيرة إلى إسرائيل والأردن استعدادًا لتصعيد ميداني.
تشير تقارير نشرها ميدل إيست آي إلى أن الدافع الحاسم للهجوم اعتمد على تقييم استخباراتي خاطئ بالكامل. قدّم رئيس الموساد ديفيد برنياع إحاطة لبنيامين نتنياهو زعم فيها قدرة جهازه على تحريك المعارضة داخل إيران لإسقاط النظام مع بداية الضربات الجوية. رغم تشكيك أجهزة أخرى في هذه الفرضية، أقنعت الرواية ترامب، فبنى قراره على تصور هشّ سرعان ما اصطدم بالواقع.
حرب غير متكافئة تتسع رقعتها
كشفت الساعات الأولى بعد الضربة الجوية حدود هذا التقدير؛ إذ ردّت إيران سريعًا وواصلت هجماتها دون توقف. ورغم الخسائر الكبيرة التي لحقت ببنيتها العسكرية، حافظت على قدرتها على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة بوتيرة ثابتة. توسّعت رقعة الحرب لتشمل أهدافًا إسرائيلية وقواعد أميركية وناقلات نفط، مع تهديدات بإغلاق مضيق هرمز، ما يهدد جزءًا ضخمًا من تجارة الطاقة العالمية.
يعكس هذا الرد نمط “الحرب غير المتكافئة”، حيث لا تسعى طهران لمواجهة تقليدية، بل تعمل على توسيع ساحة الصراع بحيث لا يبقى أي طرف خارج التأثير. يضع هذا الواقع الولايات المتحدة وإسرائيل أمام حرب إقليمية مفتوحة يصعب احتواؤها أو إنهاؤها سريعًا.
دروس العراق تعود بشكل أكثر قسوة
يستحضر الكاتب تجربة غزو العراق عام 2003، ويقارنها بما يجري اليوم. يوضح محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن السيناريو يتكرر بشكل مقلق: معلومات استخباراتية مضللة، وتصعيد عسكري واسع، ثم نتائج كارثية على المدنيين. يؤكد أنه لم يجد دليلًا على برامج أسلحة دمار شامل في العراق آنذاك، ومع ذلك اندلعت الحرب.
يحذّر البرادعي من تكرار الخطأ ذاته مع إيران، خاصة مع التصريحات التي تزعم قرب امتلاكها سلاحًا نوويًا. يرى أن هذه اللغة تقود غالبًا إلى تصعيد ينتهي بسقوط ضحايا أبرياء. ومع ذلك، يقر بأن إيران تملك القدرة التقنية لاستئناف تخصيب اليورانيوم خلال أشهر، ما يعقّد المشهد ويزيد من احتمالات التصعيد.
انهيار القانون الدولي وتبدّل موازين العالم
ينتقل التحليل إلى ما هو أعمق من الحرب نفسها، حيث يلفت البرادعي إلى تآكل النظام الدولي. لم تعد القوى الكبرى تسعى لتبرير أفعالها قانونيًا كما حدث في الماضي، بل تتجاهل القواعد الدولية بشكل متزايد. يرى أن هذا التحول لا يهدد دولة بعينها، بل يضرب أساس النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
يشير أيضًا إلى ازدواجية المعايير الغربية، خاصة في دعم إسرائيل رغم الاتهامات الدولية المتعلقة بغزة، ما أدى إلى فقدان الثقة لدى دول الجنوب العالمي. يدفع هذا الواقع العديد من الدول لإعادة التفكير في تحالفاتها وأولوياتها، والاعتماد على نفسها أمنيًا واقتصاديًا.
في السياق ذاته، تتعرض مؤسسات دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية لضغوط سياسية، ما يعكس محاولة تقويض النظام القانوني العالمي. يمتد هذا التراجع ليشمل مجالات أخرى، مثل الانسحاب من اتفاقيات دولية والتشكيك في المؤسسات العلمية.
مستقبل مضطرب وتحولات قادمة
يرى الكاتب أن ما يحدث اليوم لا يقتصر على صراع عسكري، بل يمثل محاولة لإعادة تشكيل منطقة كاملة بالقوة. يحذّر البرادعي من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى موجات غضب وعدم استقرار، وربما إلى ثورات جديدة في العالم العربي، حيث لا تزال أسباب الاحتجاج قائمة: غياب العدالة، وضعف التنمية، وانعدام الحريات.
يختتم التحليل بنبرة تشاؤمية، مؤكدًا أن تجاهل القواعد الدولية سيخلق عالمًا أكثر فوضوية، حيث تتبنى الدول الأساليب ذاتها في الحروب، بما في ذلك استهداف المدنيين والمؤسسات الحيوية. عندها، لن تجد الدول التي ساهمت في هذا الانحدار من يحميها عندما تنقلب القواعد عليها.
في هذا المشهد، تبدو أوروبا ضعيفة التأثير، بينما يتجه العالم نحو مرحلة أكثر اضطرابًا، حيث تحل القوة محل القانون، وتصبح نتائج الحروب أبعد وأخطر مما يتوقعه صانعوها.
https://www.middleeasteye.net/opinion/oops-we-have-wrecked-another-country

